فخر الدين الرازي

447

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والمساوي ، واحتج الأولون بالقرآن والخبر والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى : وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ثم قال بعد ذلك : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ فوجب أن يكون هذا راجعا إلى ما آتاها : وإذا كان كذلك لم يدخل في إباحة اللّه تعالى إلا قدر ما آتاها من المهر ، وأما الخبر روينا أن ثابتا لما طلب من جميلة أن ترد عليه حديقته ، فقالت جميلة وأزيده ، فقال صلى اللّه عليه وسلّم : لا حديقته فقط ، ولو كان الخلع بالزائد جائزا لما جاز للنبي صلى اللّه عليه وسلّم أن يمنعها منه ، وأما القياس فهو أنه استباح بعضها ، فلو أخذ منها أزيد مما دفع إليها لكان ذلك إحجافا بجانب المرأة وإلحاقا للضرر بها ، وأنه غير جائز ، وأما سائر الفقهاء فإنهم قالوا الخلع عقد معاوضة ، فوجب أن لا يتقيد بمقدار معين ، فكما أن للمرأة أن لا ترضى عند النكاح إلا بالصداق الكثير ، فكذا للزوج أن لا يرضى عند المخالعة إلا بالبذل الكثير ، لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج ، حيث أظهرت بغضه وكراهته ، ويتأكد هذا بما روي أن عمر رضي اللّه عنه رفعت إليه امرأة ناشزة أمرها فأخذها عمر وحسبها في بيت الزبل ليلتين ، ثم قال لها : كيف حالك ؟ فقالت : ما بت أطيب من هاتين الليلتين ، فقال عمر : اخلعها ولو بقرطها ، والمراد اخلعها حتى بقرطها وعن ابن عمر أنه جاءته امرأة قد اختلعت من زوجها بكل شيء وبكل ثوب عليها إلا درعها ، فلم ينكر عليها . المسألة السابعة : الخلع تطليقة بائنة وهو قول علي وعثمان وابن مسعود والحسن والشعبي والنخعي وعطاء وابن المسيب وشريح ومجاهد ومكحول والزهري ، وهو قول أبي حنيفة وسفيان ، وهو أحد قولي الشافعي رضي اللّه عنهم ، وقال ابن عباس وطاوس وعكرمة رضي اللّه عنهم : إنه فسخ للعقد ، وهو القول الثاني للشافعي ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور . حجة من قال إنه طلاق أن الأمة مجمعة على أنه فسخ أو طلاق ، فإذا بطل كونه فسخا ثبت أنه طلاق وإنما قلنا : إنه ليس بفسخ لأنه لو كان فسخا لما صح بالزيادة على المهر المسمى : كالإقالة في البيع ، وأيضا لو كان الخلع فسخا فإذا خالعها ولم يذكر المهر وجب أن يجب عليها المهر ، كالإقالة ، / فإن الثمن يجب رده ، وإن لم يذكر ولما لم يكن كذلك ثبت أن الخلع ليس بفسخ ، وإذا بطل ذلك ثبت أنه طلاق . حجة من قال إنه ليس بطلاق وجوه : الحجة الأولى : أنه تعالى قال : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ثم ذكر الطلاق فقال : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [ البقرة : 230 ] فلو كان الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا ، وهذا الاستدلال نقله الخطابي في كتاب معالم السنن عن ابن عباس . الحجة الثانية : وهو أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أذن لثابت بن قيس بن شماس في مخالعة امرأته ، مع أن الطلاق في زمان الحيض أو في طهر حصل الجماع فيه حرام ، فلو كان الخلع طلاقا لكان يجب على النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن يستكشف الحال في ذلك ، فلما لم يستكشف بل أمره بالخلع مطلقا دل على أن الخلع ليس بطلاق . الحجة الثالثة : روى أبو داود في « سننه » عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبي صلى اللّه عليه وسلّم عدتها حيضة ، قال الخطابي : وهذا أدل شيء على أن الخلع فسخ وليس بطلاق ، لأن اللّه تعالى قال : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [ البقرة : 228 ] فلو كانت هذه مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد .